المثالية اللغوية: كيف تخنق حضورك المهني؟
في جلساتي الارشاديّة مع موظفين ممتازين فعلًا بخبرتهم ومهاراتهم، ألاحظ نمطًا يتكرر كثير
الشخص ما يكون ضعيف لغة، لكنه ضعيف في لحظة الأداء. لحظة الاجتماع، المقابلة، أو السؤال المفاجئ. هنا يبدأ العقل يشتغل بعقلية العرض المسرحي: لازم الجملة تطلع صح، لازم النطق مضبوط، ولازم ما أبان أقل من صورتي المهنية. المشكلة هنا مو في الإنجليزية نفسها، بل في الخوف من
الانطباع اللي ممكن يطلع عنك بسبب الإنجليزية
المثالي لغويًا ما يتكلم عشان يوصل معنى، يتكلم عشان ينجو من الخطأ. فيتحول تركيزه من الفكرة إلى الصياغة، ومن الرسالة إلى تقييم الآخرين. وعشان كذا تشوف كثير ناس فاهمين كل شيء لكن ما ينطقون، مو لأنهم ما يعرفون، بل لأنهم يفاوضون أنفسهم قبل كل كلمة. هذه المفاوضات الداخلية تستهلك الطاقة وتقطع التدفق اللفوي. (اكون عارف وش أقول بس اتجمد)
الدراسات في علم النفس اللغوي توضّح أن القلق المرتبط بالأداء قادر يعطّل المهارة حتى لو كان المستوى جيد
التحليلات التجميعية-meter analyst
خلال السنوات الأخيرة أظهرت ارتباطًا سلبيًا واضحًا بين قلق اللغة والأداء الفعلي، بمعنى أبسط: القلق يقدر يوقف اللغة عن العمل حتى لو كانت موجودة
هذا النمط غالبًا ما يبدأ من نقد قديم. تعليق من مدير، ملاحظة من زميل، موقف إحراج بسيط، أو الشخص يكون نفسيًا وسلوكيًا عنده نمط (المثاليّة أو الكمالية) متجذر في حياته. لكن العقل يخزّنه كقانون داخلي: الخطأ تهديد للصورة
بعدها تبدأ الحلقة المعروفة: توتر، مراقبة مفرطة للكلام، تجمّد أو اختصار شديد، شعور بالهزيمة، ثم تجنّب أكبر لاحقًا. ومع الوقت، يصير الصمت أسهل من المحاولة
وعشان كذا تلاحظ المفارقة الغريبة: نفس الشخص يكتب إيميل ممتاز، يفهم كل ما يُقال، لكن يتوتر إذا طُلب منه يتكلم دقيقتين متواصلة. المشكلة ما صارت لغوية، صارت سلوكية
كسر هذا النمط ما يحتاج قفزة كبيرة. يحتاج تغيير بسيط لكن متكرر. هدفك ما يكون الجملة الكاملة، بل وضوح الفكرة
تكلم حتى لو بنسبة 80٪، لا تبرر، لا تعتذر، ولا تحاول تلمّع الكلام. اسأل نفسك بعد كل موقف سؤال واحد فقط: هل الفكرة وصلت؟ إذا نعم، انتهى التقييم. بهذه الطريقة تعيد تدريب عقلك أن التواصل وسيلة، مو اختبار قيمة
المشكلة اليوم ما صارت في علاقة الموظف مع اللغة فقط، بل في بيئات العمل نفسها. وشفت هذا لشيء بعيوني لما نزلت بيئات العمل للموظفين الي يتدبروا معي (أي رحت شركاتهم وقابلتهم وجلسه وشفت البيئة والناس)
كثير من البيئات تشتغل بعقلية التقييم المستمر، فتصير اللغة أداة إثبات بدل ما تكون أداة إنجاز. يُكافأ من يبدو قويًا أكثر ممن ينجز فعليًا، وتتحول الطلاقة الشكلية إلى→ معيار قيمة حتى لو بلا عمق
يعني إذا تبيها بالعامية (الموضوع صار استعراض مين لغته أفضل ومين أحسن)
وهنا الخلل الحقيقي. لما تتحول اللغة إلى غاية، تفقد معناها الإنساني وهدفها الأساسي
اللغة ما خُلقت لإثبات التفوق، بل للفهم، للإنجاز، وبناء الثقة. وكل بيئة عمل تنسى هذه الحقيقة، تدفع ثمنها أداءً، وابتكارًا، وإنسانية
محمد
مؤسس شغف ومختص في التواصل المهني

الأستفسارات