قلق الأداء المهني: حين تصبح الإنجليزية ساحة تقييم

­
في بيئات العمل، تتكرّر ملاحظة واحدة بشكل ثابت: كثير من الموظفيّن لا يواجهون مشكلة حقيقية مع الإنجليزية بقدر ما يواجهون مشكلة مع لحظة استخدامها

تجد موظف كفو، ذكيّ، وفهمه ممتاز. قد يكتب بريدًا قويًا، يقرأ بسرعة، ويتابع الاجتماعات بدون صعوبة. لكن عندما يأتي دوره ليتحدث، يحدث انقطاع بسيط: تردد، اختصار، صوت أضعف من المعتاد، أو صمت محسوب

المسألة هنا ليست “لغة”. المسألة هي أن اللغة تتحول داخل الدماغ إلى موقف تقييم

تعريف عملي لقلق الأداء المهني

قلق الأداء المهني ليس خوفًا عامًا من الناس، ولا ضعف شخصية، ولا عدم ثقة مطلقة بالنفس

هو استجابة مرتبطة بسياق محدد: تظهر عندما يشعر الشخص أن سمعته المهنية قد تتأثر، وأن أي خطأ حتى لو كان صغير. قد يُقرأ كدليل على نقص في الكفاءة

عند هذه النقطة، يتغير نمط الأداء

التركيز لا يبقى على الرسالة

بل يروح على: كيف أبدو وأنا أقولها

ويبدأ الجسم يتصرف كأن هناك اختبارًا وليس حوارًا

لماذا تظهر المشكلة بوضوح مع الإنجليزية؟

الإنجليزية في بيئات العمل ليست مجرد أداة تواصل. عمليًا تحمل ثلاث طبقات تضغط على الأداء في اللحظة

أولًا: عبء ذهني أعلى في الزمن الحقيقي

المتحدث لا ينقل فكرة فقط. هو يدير عدة عمليات في وقت واحد

اختيار المفردة، ضبط الصياغة، ترتيب الجملة، وتقدير النبرة

هذا وحده يرفع احتمال التعثر، خصوصًا تحت ضغط الوقت

ثانيًا: الخطأ يُفسَّر داخليًا كعيب مهني

في اللغة الأم، الخطأ يُفهم غالبًا كزلّة عابرة

في اللغة الثانية، العقل يترجمه بسرعة إلى: هذا يفضحّني

حتى لو الطرف الآخر لم يلاحظ، المتحدث يلاحظ ويبدأ يدخل في تصحيح داخلي يقطع تدفقه

ثالثًا: الإنجليزية صارت رمزًا للصورة المهنية

في كثير من المؤسسات، الإنجليزية تُربط تلقائيًا بالاحتراف، الجاهزية القيادية، والهيبة المهنية

فيصبح الحديث بها ليس “تواصلًا”، بل عرضًا مباشرًا للصورة

كيف يُرى هذا القلق على السلوك؟

هذه الحالة لها علامات واضحة، وتتكرر بنفس الشكل تقريبًا

التوتر يبدأ قبل أول كلمة

تسارع نبض أو شدّ نفس بسيط

ثقل في الصوت أو الحلق

تفكير زائد أثناء الاستماع بدل الفهم الطبيعي

إجابات قصيرة رغم القدرة على شرح أفضل

توقفات أطول من المعتاد للبحث عن الكلمة المثالية

شعور داخلي بأن الرسالة لم تصل، رغم أنها وصلت

النقطة الجوهرية: المشكلة غالبًا لا تبدأ أثناء الكلام، بل قبل الكلام. في لحظة تجهيز الأداء

ما الذي يحدث في الآلية الذهنية؟

عند الإحساس بالتقييم، يحصل انتقال واضح في اتجاه الانتباه

من الخارج → إلى الداخل

:بدل ما يكون التركيز على

المعلومة، الطرف الآخر، الهدف من الحديث

:يصبح التركيز على

الصوت، المفردة، الشكل، الانطباع

:وهنا تتعطل الجودة لأسباب عملية

يتم استهلاك مساحة الذاكرة العاملة في : مراقبة الذات

يقلّ الاستماع الحقيقي لأن جزءًا من العقل منشغل بالتقييم الداخلي

يتحول الهدف من تواصل كافٍ – إلى – أداء مثالي

فيبطئ الإيقاع أو ينقطع

.ليست مشكلة معرفة. هي مشكلة توزيع الانتّباه

هذا ليس ضعفًا مهنيًا، غالبًا العكس

:المفارقة أن هذه الحالة تظهر بكثرة عند أشخاص لديهم

حس عالي بالمسؤولية والصورة

معايير داخلية مرتفعة

رغبة في الظهور متماسكًا دائمًا

تاريخ مهني يعتمد على السيطرة والاتزان

لكن نفس هذه المزايا، عندما تدخل لحظة تقييم، تتحول إلى ضغط زائد

الحرص يصبح مراقبة. والمراقبة تكسر السلاسة

لماذا “زيادة اللغة” ليست الحل الأساسي؟

تطوير اللغة مفيد، لكنه غالبًا لا يغلق المشكلة من جذورها. لأن الجذر ليس نقص مفردات

:الجذر عادةً واحد من ثلاثة

ربط القيمة المهنية بعدم الوقوع في خطأ

اعتبار أي تردد دليلًا على ضعف

محاولة التحكم الكامل في لحظة بطبيعتها سريعة ومتغيرة

لذلك قد تجد شخصًا يدرس أكثر، يجهز أكثر، ومع ذلك تتكرر نفس العقدة عند اللحظة الحقيقية

ما الذي يصنع فرقًا فعليًا؟

التغيير الذي يظهر أثره لا يكون عبر “تعلم أكثر”، بل عبر تعديل طريقة الأداء في اللحظة على ثلاثة محاور

1) إعادة الانتباه للخارج

الهدف ليس أن تكون جملك مثالية. الهدف أن تكون رسالتك واضحة

العودة للتركيز على الطرف الآخر والمعنى تقلل استنزاف الداخل

2) البقاء داخل الموقف بدل الانسحاب

التوتر قد يظهر. هذا طبيعي

الفارق هو: هل تنسحب بالصمت والاختصار؟ أم تكمل بجملة كافية وتتحرك؟

3) فصل التماسك عن القيمة

التوقف القصير، البحث عن كلمة، أو خطأ بسيط لا يسقط الصورة المهنية

الذي يسقطها فعليًا هو الانكماش، لا الزلة

الخلاصة

قلق الأداء المهني مع الإنجليزية ليس خللًا في اللغة، ولا علامة نقص كفاءة

هو نمط أداء يتفعل عندما تتحول اللغة من أداة إلى ساحة تقييم

وعندما تُفهم الآلية كما هي – بشكل عملي وسلوكي – يمكن رصدها وتعديلها

الهدف ليس أن تتحدث “بلا أخطاء”. الهدف أن تعود الإنجليزية لمكانها الطبيعي: أداة عمل، لا اختبار

صورة

محمّد

مؤسس شغــف

مقالات ذات صلة

الأستفسارات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *