لما الكلام يبدأ يتبخّر من عقلك

لاحظّت كثير من الموظفين والقادة لما يتكلموا أنجليزي يحسوا اللغة تتبخّر من عقلهم، مو لأن مفرداتهم قليلة أو مستواهم ضعيف زي ما يتوقعوا، بل لأن لحظة قصيرة تصير داخلهم قبل ما ينطقون

لحظة يسأل فيها العقل سؤال واحد: هل هذا الوقت مناسب أطلع بالصورة اللي تعودوا يشوفوني فيها؟

هنا يبدأ ما يُعرف بـ

Speech Blocking Anxiety

حالة ما تعطل الفهم، لكنها تعطل القرار الداخلي بأن تتحدّث. الموظف يعرف الجواب، يفهم السياق، لكن يتردد لأن الظهور نفسه صار مخاطرة بالنسّبة له. اللغة تتحول من وسيلة توصيل فكرة إلى مساحة اختبار للانطباع

في هذه اللحظة، العقل ما يشتغل على المحتوى، بل على المراقبة. يراجع الجملة، يحلل النطق، يقارن الأداء بالصورة المهنية السابقة

. ومع كل مراجعة إضافية، يتباطأ التدفق اللغوي (تبدأ المفردات تختفي) . مو لأن المهارة ضعيفة، بل لأن التركيز انتقل من (أيش رح أقول) إلى (كيف رح أبان قدامهم) وهنا لُب المشاكل كلها

الدراسات في علم النفس اللغوي تشير إلى أن هذا النوع من القلق يرتبط بزيادة المراقبة الذاتية أثناء التحدث، وهو عامل كافٍ لتعطيل الطلاقة حتى عند أصحاب المستوى الجيد

أبحاث حديثة في

Frontiers in Psychology

أوضحت أن الأداء اللغوي ينخفض كلما ارتفع وعي المتحدث بنفسه أثناء الحديث، بغض النظر عن معرفته الفعلية باللغة

وفي دراسات أخرى حول

Fear of Negative Evaluation

تبيّن أن الخوف من الانطباع السلبي يدفع المتحدث إلى الاختصار أو الانسحاب بدل المشاركة

هذا القلق غالبًا ما يبدأ من تجربة واحدة. تعليق عابر، ملاحظة نقدية، أو موقف إحراج بسيط

العقل ما يحفظ الموقف، بل يحفظ الإحساس المرتبط فيه، ثم يبني قاعدة داخلية صامتة: الخطأ تهديد

مع الوقت تتشكل الحلقة الواضحة الي أشوفها في كل جلسّة ارشادية؛ توتر قبل الكلام، مراقبة زائدة، تجمّد أو اختصار، شعور داخلي بعدم الرضا، ثم تجنب أكبر لاحقًا. الصمت يصيّر سلوكًا مريحًا، لا لأنه أفضل، بل لأنه أقل تهديدًا

ولهذا تظهر المفارقة في العمل. نفس الموظف ممكن يكتب بشكل ممتاز، يفهم كل ما يدور، ويملك أفكارًا قوية، لكنه يتردد في الحديث لدقائق متواصلة. المشكلة لم تعد لغوية، بل سلوكية تنظيمية

اللغة موجودة، لكن الإذن باستخدامها مفقود

كسر هذا النمط ما يحتاج قفزة كبيرة منّك، بل إعادة تعريف الهدف من الكلام. الهدف ليس الجملة الصحيحة، بل الفكرة الواضحة. لما يتدرّب الموظف على الظهور بنسبة كافية بدل انتظار الكمال، يبدأ العقل بتلقي رسالة مختلفة: التحدث ليس خطرًا. ومع التكرار، يقلّ القفل الداخلي لأن التجربة لم تعد

مرتبطة بالتهديد

هذه الطريّقة جربتها مع كل شخص دربته وجميعهم جوني يقولوا محمد لغتي تطورّت وبديت اشوف نتائج. والحقيقة هنا أن لغتهم ما تطورت. مستواهم كذا أصلًا قبل يبدأوا تدريب معي. لكن الي حصل أنهم أصبحوا مرتاحين كفايه وواثقين وماصارت اللغة تهديد بالنسبه لهم.

التحدي الأكبر اليوم أن كثيرًا من بيئات العمل تضخّم التقييم والانطباع. تُكافئ الشكل قبل الجوهر، والطلاقة قبل الفكرة. في هذا المناخ، تتحول اللغة إلى أداة إثبات بدل أن تكون وسيلة إنجاز. ومع الوقت، ينتج لدينا موظفون يفهمون كثيرًا، لكنهم يتحدثون بحذر مفرط

اللغة في أصلها لم تُخلق لتكون اختبارًا للهوية، بل جسرًا للفهم والعمل المشترك. وكلما تعاملنا معها كميزان قيمة، زادت احتمالية أن نصنع بيئة مليئة بالعقول، قليلة الصوت

محمّد

مؤسس شغف

مقالات ذات صلة

الأستفسارات

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *