لما تكون فاهم كل كلمة ومع ذلك تختار الصمت
“Stop Trying to Control Everything And Just Let Go”
في شيء ألاحظه كثير ذي الفترة. موظف خبره فوق عشر سنوات، فاهم، قوي، حضوره ممتاز.
لكن أول ما أبدأ معه إنجليزي… يتجمّد. يبتسم ابتسامة دفاعية، ويرد بالعربي رغم أنه فاهم كل كلمة.
مو لأنه ما يعرف يتكلم. لأنه يحاول يحمي “صورته المثالية” اللي بناها في بيئة العمل.
المشكلة ما تبدأ في اللغة. تبدأ من موقف قديم. نقد من زميل، تعليق من مدير، ضحكة جانبية. شيء بسيط زرع فيه خوف من أنه يبان أقل مما يعتقد عن نفسه. ومن بعدها صار النمط واضح: يتهرب من الحديث، يتحفظ، يخبي جزء من نفسه، ويدافع عن هويته المهنية بكل الطرق… حتى لو كان هذا الدفاع يضره.
علم النفس يسمي هذا Avoidant-Perfectionist Pattern. سلوك يخلط بين الخوف من التقييم والمثالية المفرطة.
دراسة في Journal of Social Language 2022 تبين إن الموظفين اللي مرّوا بنقد لغوي سابق ترتفع عندهم استجابة التجنب بنسبة 48٪.
ودراسة ثانية 2023 تشير إن الخوف من انهيار الصورة المهنية يخفض الجرأة اللغوية داخل الفريق بنسبة تتجاوز 40٪.
في الواقع الوظيفي عندنا، هذا النمط يظهر بوضوح. قدام الأجانب يتكلم. قدام الإدارة العليا يمكن يتكلم. لكن قدام زملائه؟ الصوت ينخفض. الجملة تختصر. الهوية تتحول لعبء ثقيل. وأنا ألتقط هذا الشعور مباشرة… نبرة مترددة، نظرة هاربة، طاقة دفاعية. مو لأنه ضعيف، بل لأنه تعب من حماية صورة اشتغل عليها سنين.
الحل مو لغوي. الحل نفسي وسلوكي قبل كل شيء. أول شيء: شيل عن نفسك عبء “الصورة”. ما تحتاج تثبت شيء كل مرة. ثاني شيء: ابدأ بمواقف صغيرة متعمدة تتكلم فيها بدون ما تنتظر المثالية. وثالث شيء: اربط ظهورك المهني بقيمة فكرتك، مو بصحة جملتك. الناس يسمعونك أكثر مما يدققون عليك.
وفي أعمق مدرسة قيادية في التاريخ، مدرسة المحاربين القدماء، كانت القاعدة واضحة: إذا تبي تعدّي بوابة الخوف… لازم تتخلى. Just let go.
اترك الصورة شوي. اترك محاولة السيطرة. اترك فكرة إنك لازم تكون بكامل قوتك في كل لحظة. لأن اللي يحميك فعلًا مو صورتك… بل حضورك الحقيقي.
وإذا حسّيت إن الكلام فعلاً يمثلك، يمكن جلسة التوجيه تكون أسرع طريق تغيّر علاقتك مع اللغة وحضورك المهني.
محمد المنسّف

الأستفسارات