الخوف من التقييم لماذا يخاف الموظفون من التحدث رغم إتقانهم للغة؟
“Language doesn’t define intelligence; confidence does.”
في بيئات العمل اليوم، كثير من الموظفين يعيشون معركة صامتة لا يتحدث عنها أحد: الخوف من نظرة الآخرين.
ليس الخوف من الخطأ في المهام، بل من أن تُقاس قيمتهم بطريقة نطقهم، أو طريقة تحدثهم بالإنجليزية في الاجتماعات.
الخوف من أن تُختصر كفاءتهم في لهجة، أو تُختزل قدراتهم في جملةٍ لم تُصغ بدقة.
أسمعها كثيرًا في الجلسات التدريبية: “أخاف أتكلم لأن لغتي مو مثالية”، “أحس زملائي يضحكون علي داخليًا”، “أخاف أغلط في كلمة وينحكم عليّ.” الحقيقة أن هذا الخوف ليس لغويًا، بل نفسيًا — حالة تُعرف في علم النفس اللغوي بـ Linguistic Insecurity، أي “عدم الأمان اللغوي”. وهي من
أكثر أنواع القلق انتشارًا بين الموظفين في البيئات المتعددة اللغة.
الدراسات الحديثة، مثل تلك المنشورة في Frontiers in Psychology (2023)، أثبتت أن الخوف من تقييم الآخرين للغة الموظف يخفض أداءه بنسبة قد تصل إلى 40%. ليس لأنه لا يعرف التحدث، بل لأن دماغه ينشغل بالدفاع عن نفسه بدلًا من توصيل فكرته.
هذه الحالة مرتبطة بظاهرة Evaluation Apprehension — أي “الخوف من التقييم” — وهي من أقوى مثبّطات الأداء في بيئات التواصل المهني.
لكن خلف هذا القلق هناك أصل أعمق
ثقافة العمل التي تخلط بين الإتقان والكمال. نعيش في مجتمعات تربط الذكاء بالفصاحة، والمهنية بخلو الحديث من الأخطاء. بينما الحقيقة أن اللغة ليست معيار كفاءة، بل وسيلة لتوصيلها. الشخص الواثق ليس من يتحدث بلا أخطاء، بل من يتحدث رغمها.
هذا الوعي وحده قادر أن يغيّر الطريقة التي ترى بها نفسك. فكر فيها: المدير أو الزميل الذي ينتقد لغتك لا يملك بالضرورة كفاءة لغوية أعلى، لكنه يملك جرأة أعلى على التحدث. وكل دقيقة تصمت فيها خوفًا من التقييم، تفقد فرصة لتثبيت صورتك المهنية أمام الآخرين.
من واقع عملي كمستشار ومدرّب في التواصل المهني، لاحظت أن التحول الحقيقي لا يبدأ من القواعد أو المفردات، بل من الداخل. من طريقة رؤيتك لنفسك أثناء الحديث. من اللحظة التي تتوقف فيها عن مقارنة لغتك بلغة غيرك، وتبدأ في التركيز على الهدف من كلامك.
لهذا السبب، أوصي بثلاث ممارسات جوهرية لأي موظف يريد أن يتحرر من الخوف اللغوي:
أولًا: أعد تعريف الخطأ. الخطأ في اللغة ليس فشلًا، بل دلالة على ممارسة حقيقية. الشخص الذي لا يخطئ هو ببساطة لا يستخدم اللغة بما يكفي.
ثانيًا: مارس التعرّض التدريجي. لا تنتظر أن تصل للكمال ثم تتحدث. ابدأ من الاجتماعات الصغيرة، العروض القصيرة، الرسائل اليومية. الثقة تُبنى من التكرار لا من التحضير.
ثالثًا: افصل الهوية عن الأداء. لغتك لا تعرّفك. لا أحد يُقاس بقواعده النحوية. قيمتك في وضوح فكرتك، واحترافك في التواصل، واحترامك لنفسك أثناء الحديث.
أما بيئات العمل فعليها أن تتحمل جزءًا من المسؤولية.
يجب أن تتحول من مساحات تقييم إلى مساحات تعلم. أن تتوقف عن تقديس “اللغة المثالية”، وتبدأ في تقدير التنوع اللغوي كقيمة مهنية وثقافية. فالتواصل الفعّال لا يحتاج إلى لغة كاملة، بل إلى نية صادقة ورسالة واضحة.
وفي النهاية، أقولها من تجربة مع مئات المتدربين: الموظف لا يحتاج أن يتحدث مثل الأجانب ليُحترم، بل يحتاج أن يتحدث بثقة، وبصوته، وبحقيقته. اللغة لا ترفعك أو تُسقطك، ما يرفعك هو حضورك،
ووضوحك، وإيمانك أن صوتك يستحق أن يُسمع — مهما كانت لهجتك.
محمد المنسّف
مختص في الإنجليزية للأعمال
الأستفسارات